الجاحظ
211
المحاسن والأضداد
انصرفا إلى بعض طرقات مكة ، وقعدا يتغديان ؛ فبينما هما كذلك على طعامهما ، إذ وقفت عليهما امرأة جميلة بهية ، حسنة شكلة ، وعليها برقع ، فرفعته عن وجهها ، فإذا وجه كالدينار ، وذراع كالجمار ، فسلمت وقعدت ، وجعلت تأكل معهما . قال الفضل : فأعجبني ما رأيت من جمالها وهيئتها ، فقلت : « هل لك من بعل » ؟ قالت : « لا » ، قلت : « فهل لك في بعل من أصحاب أمير المؤمنين ، حسن الخلق والخلق » ؟ قالت : « وأين هو » ؟ فأشار إلى فرج ، فقالت : « جوابك عند فراغنا » ، فلما أكلت قالت للفضل : « تقرأ شيئا من كتاب اللّه » ؟ قال : « نعم » ، قالت : « أفتؤمن به » ؟ قال : « نعم » ، قالت : فإن اللّه يقول : « ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا » ، فضحك الفضل ، ودخل على الرشيد فأخبره فأمر بإحضارها ، فلما نظر إليها ، أعجب بها ، فتزوجها وحملها إلى مدينة السلام . قال : وحج إسماعيل بن طريح ، فوقفت عليه إعرابية جميلة . قال : فقال لها : « هل لك أن تزوجيني نفسك » ؟ فقالت من غير توقف : بكى الحسب الزّكي بعين غزيرة * من الحسب المنقوص أن يجمعا معا وانصرفت . قال العتبي : كنت كثير التزوج ، فمررت بامرأة فأعجبتني فأرسلت إليها : « ألك زوج » ؟ قالت : « لا » ، فصرت إليها ، فوصفت لها نفسي ، وعرفتها موضعي فقالت : « حسبك قد عرفناك » ، فقلت لها : « زوجيني نفسك » ، فقالت : « نعم ولكن هاهنا شيء تحتمله » ، قلت : « وما هو » ؟ قالت : « بياض في مفرق رأسي » ، قال : فانصرفت ، فصاحت بي : « ارجع » ، فرجعت إليها فأسفرت عن رأسها فنظرت إلى وجه حسن ، وشعر أسود ، فقالت : « إنّا كرهنا منك ، عافاك اللّه ، ما كرهت منا » وأنشدت : أرى شيب الرجال من الغواني * بموضع شيبهنّ من الرّجال « 1 »
--> ( 1 ) معنى البيت أن النساء يكرهن الشيب في الرجل كما يكره الرجال الشيب في النساء .